محمد أحمد خلف الله

70

الفن القصصي في القرآن الكريم

وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ فحكى تفصيل ما كان يجري في أمر مريم وذلك من أعظم معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » . وجاء في الرازي : « فإن قيل أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم . قلنا تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة » « 2 » . وفكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثالثا أن القول بأنها إحدى المعجزات لا يدحض أقوال المشركين أولئك الذين قالوا بأن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار وأنه يعلمه إياها بشر وأنهم لو شاءوا لقالوا مثلها وأنهم قد قصّوا بالفعل أخبار رستم وأحاديث اسفنديار وأن قريشا كانت تستملح هذه الأقاصيص وتنصرف عن محمد عليه السلام إلى المعارضين للنبي وللقرآن . فكّر العقل الإسلامي في كل هذه الأشياء وانتهى به التفكير إلى أن القرآن نفسه لم يجعل هذه الأخبار موطن التحدي ومناط الإعجاز وإنما جعل الإعجاز كل الإعجاز في قوة التأثير وسحر البيان . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ « 3 » ما يلي : « والحاصل أن القوم اتّهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه عرفها بالوحي وهو كاذب فيه . ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ . . . وأما وجه تقرير الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا القرآن الكريم إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة » « 4 » . ولعله من هنا كان القرآن يتحدى العرب بالسور المفتريات فقد جاء في المنار : « كأنه يقول أدع لكم ما في سور القصص من الأخبار عن الغيب وأتحدّاكم أنتم وسائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم على الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن في

--> ( 1 ) تنزيه القرآن عن المطاعن ، ص 59 . ( 2 ) الرازي ، ج 5 ، ص 65 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية 103 . ( 4 ) الرازي ، ج 5 ، ص 350 .